بين اجاثا كريستي وحب فوق السطح ؟ - بقلم / نبيل محمد سمارة

مقالات نبيل محمد سمارة منذ 1 سنة و 1 شهور 371
بين اجاثا كريستي وحب فوق السطح ؟ - بقلم / نبيل محمد سمارة

قرر كمال الذي يبلغ ثمانية عشر ربيعا أن يقرأ رويات ( اجاثا كريستي) فوق سطح منزله , بعد ذهابه الى شارع المتنبي والتعرف على بعض باعة الكتب , والذي حينها قرأ جزءا بسيطا من رواية العالمية ( كرستي) . قراره هذا جاء بناءا على طلب والده , لان كمال احدث مشاكل كثيرة مع اخوته بسبب ضجيجهم , وكيف له أن يقرأ رواية في وسط هذه " الهوسة" . لم يخطر على بال كمال أن قراءة كتابه فوق السطح سيغير حياته الى معشوق ولهان , صعد السلم بهدوء وهو محمل بيده الكتاب , ويده الثانية حامله كوب من الشاي , جلس في الطرف المطل على سطح جيرانه الخالي من السكان , وقرأ على مهل وتمعن , كي يفهم ما كتبته الروائية العالمية , واكمل الجزء الأول من هذا الكتاب , وكلما يقرأ السطور يشتاق للسطر الذي يلي .
وفي اليوم الثاني استيقظ باكرا ولم يفطر من بيته , لانه سبق وان اتفق مع احد اصدقاءه ان يفطر " الكيمر والكاهي" باسواق هذا الصديق الذي يعتبره من اعز الاصدقاء , وبينما هم يفطرون جاء رجلا يبلغ الخمسين من العمر ومعه عائلته المكونة من الزوجة وفتاة جميلة وطفلان , يسألون صاحب الأسواق أن يسلمهم مفتاح البيت المجاور لبيت كمال , فقام صاحب الاسواق بتسليم المفتاح للعائلة مع دهشة وحيرة كمال , وبعد رحيل العائلة , سأل كمال صديقه عن قصة هذه العائلة , فقال له : أن جارك ابو تحسين اعطاني هذا المفتاح لهذه العائلة والتي سوف يكونون جيرانا لكم , لم يعر أي اهتمام لهذا الموضوع سوى دهشة خفيفة لان البيت المجاور لهم ستشغله هذه العائلة .
وقبل حلول الظلام صعد كمال ليكمل الروائبة من حيث ما انتهى , بينما هو جالس , انتبه لصوت صادر من سطح جيرانه , رأى جاره وهو يركب مصباح السطح بصعوبة بسبب تلف قاعدة المصباح , انتبه الرجل لكمال , وسلم عليه وقال له 
- مساء الخير
- مساء النور 
- هل تعرف محل لبيع الاجهزة الكهربائية 
- نعم : هل تريد أن اذهب بدلا عنك واجلب لك ما تريد
- ساتعبك معي 
- لا على العكس انت جار ويجب ان نساعد بعضنا البعض
- عفوا : نسيت ان اعرفك عن نفسي انا جارك الجديد واسمي أبو نرجس 
- اهلا وسهلا بك نعم قد عرفت ذلك من صديقي صاحب الاسواق 
ذهب كمال وجلب له ما يريده , واصبح بينه وبين جاره علاقة ود , وبعد أن استمر كمال بقراءه الاجزاء ووصل الى الجزء الرابع أي بعد مرور اربع خمسة ايام , وبينما هو جالسا في نفس مكانه الذي يطل على سطح جاره , انتبه الى جارته (نرجس) وهي تضع على الحبل الغسيل المبلل , لم يعر أي اهتمام , واستمر بقراءه كتابه , وبعد دقائق صارت عيونه تبصبص للفتاة الرشيقة وهي تضع ملقاط الغسيل بفمها .
موقف صعب لشاب وهو في خلوة مع فتاة فوق السطح , وبدت نبضات قلبه تدق بقوة , ورائحة العشق تحوم المكان . انتبهت نرجس لكمال , واحدثت صوتا مقصودا , وضع كمال كتابه حول فخذيه منتبها الى مكان الصوت , وقعت نظرات عيونه مسرعة على عين نرجس , خجلت نرجس أن كان سقوط " الطشت "احدث ازعاجا لجارها .
غادرت السطح والخجل يملأ وجهها , وهو ينظر للقمر متخيلا جارته الجديدة وبدأ لا شعوريا ان فارس زمانه بل ملك الملوك على هذه الأرض .
اصبح كمال طيلة وقته وهو يفكر بنرجس , بل حتى نسى روايته ونسى جميع ما قرأ ونسى ايضا كاتبة اسمها اجاثا كريستي . نرجس اصبحت روايته , حتى كمال لم يعد يذهب الى صديقه صاحب الاسواق , وصار يعيش بخيالات واسعة ومطمئنة . قرر أن يلبس احلى ما لديه من ملابس , راشا بملابسه اجمل العطور ,وبقى واقفا في السطح عسى ولعل ان يرى نرجس , ضاربا بعرض الحائط قوانين الجيرة واحترامها , لان الحب لا يعرف القوانين وعلى قول المثل : "الحب أعمى" .
لم تصعد الى السط نرجس بذلك اليوم , وحزن كمال حزنا شديدا , وقرر أن ينام في السطح متحججا لأبيه أن الهواء جميلا فوق السطح , وفي صباح اليوم الثاني , استيقظ على صوت خطوات ارجل صادرة من سطح جيرانه , فز ورفع رأسه واذا بنرجس تغسل باب السطح المتوسخ بالتراب , وقف فورا , وابتسم لها ابتسامه رقيقة وجذابة , وبادلته نفس الابتسامة , اشر لها أن تقترب من السياج الناصي الذي يتوسطهم , اشرت هي له بعبارة الخوف من اهلها ان يصعدوا في هذه اللحظة , تفهم الموضوع وتقبل اسبابها , ولكنه رفع يداه مؤشرا لها باصابعه الثمانية , فهمت نرجس انه يريد ميعاد الساعة الثامنة , هزت راسها بالقبول لهذا الموعد الحميم .
فرح فرحا لم يفرحه في حياته , مع ارتباك شديد - ماذا سيدور في هذا اللقاء , ماذا يقول لها رغم انه لم يراها سوى مرتين , ماذا هي ستقول لها , ماذا سيكون موقفها , ماذا لو صعد والدها . كل هذا التفكير يدور في ذهنه , بينما والده يناديه ان يجلب لها علبة الدواء , وهو غير منتبه لنداءات والده , الا وان صاح عليه صيحة سمعه من في المنزل 
- عفوا بابا لم انتبه لك
- ماذا جرى لك يا كمال في هذه الايام اصبحت كالمجنون
- كلا يا ابي انني في احسن حال
- هيا اعطني علبه الدواء
- حسنا والدي , اين علبة الدواء 
- الم اقل لك انك اصبحت مجنونا الا تعرف مكان علبة الدواء يا هذا
- تذكرت , تذكرت , عفوا , عفوا
شكوا اهل كمال بصفنات ابنهم , وعرضوا عليه ان يذهب الى الطبيب ان كان يشكو من امرا ما , وهو يقول لهم : ليس هناك ما اشكو منه بتاتا , وتحجج بقصة اخترعها فورا وقال لهم : كان لي صديق سقط شهيدا بسبب انفجار سيارة ملغمة ..
ومرت الساعة السادسة والسابعة , وبدا الوقت يطول و لم يعد يصبر , قبل ان يصعد درجات السلم الاولى الى السطح منتظرا حبيبته , مرة اخرى صاح والده وقال لكمال 
- انك نسيت رواية اجاثا كرستي
- نعم والدي اعطني الرواية
- الم اقل لك انك بحاجة الى دكتور ليفحصك
- لا داعي يا والدي انني بخير ولكن فقدان صديقي جعلني انسى كل شيئ
- رحم الله صديقي
واول صعوده الى السطح راحت عيونه متجهة الى سطح حبيبته من دون ارادة , ثم نظر الى القمر المشع في وسط العتمة متوسلا للقمر ان يفلح بصداقة حميمة , وان يدخل قلب نرجس , وفجأة سمع حركة اتية من جيرانه , رفع رأسه ببطء , واذا بنرجس هذه الفتاة الجميلة تقف بقرب السياج الواطي الذي يتوسطهم . 
بدأت يداه ترجفان , وفمه يرتعش من شدة الشوق , ونرجس تنظر له بخجل شديد 
- كيف حالك يا نرجس 
- انا خائفة جدا ان يرانا احد
- لا تقلقي الظلام سينقظنا
- هل تعلم ان شوقي بك بدء اول مرة عندما والدي استلم مفتاح البيت وانت كنت واقف مع صديقك صاحب الاسواق
- حياتي ... وهل تعلمين انك جعلتي من اهلي ان ينادوني بالمجنون 
- ماذا 
- نعم نرجس انك كل تفكيري وان حبك في قلبي كالجمر , ولم اشعر بالسعادة الا اليوم 

فاقتربا من بعضيهما وتعانقاه . ودقات قلبهما تتسارع , ووضع يده على خدها المحمر , بينما هي خجولة من هذا الموقف ولكن حبها لكمال جعلها ان ترضى به , شال يده من خدها واضعا ذراعه حول رأسها , وهي مغمضة العينين , ثم قبلها من فمها قبلة طويلة .
وفجأة ارتعباه على سوط قادم من باب سطح نرجس , على الفور قفز الى سطح بيته , وهي حاولت ان تصطنع حجة لسبب وجودها على السطح , واذا بوالدها يقف , ويقول لها : ماذا تفعلين يا نرجس هنا , وقالت له : انني انضف ارضية السطح يا والدي , واقترب قليلا الى سياج جيرانه , فشاهد كمال جالسا والخوف في وجهه . بدء الشك يجول في عقله , ثم مسك يد ابنته ونزلا من السطح .
وفي صباح اليوم الثاني , صعد ابو نرجس الى سطح بيته ومعه ثلاث رجال يعملون في البناء , واتفق معهم أن يبنوا السياج بعلو المترين والنصف . وفي المساء صعد كمال الى السطح ببطئ شديد , واندهش برؤية السياج اصبح عاليا جدا , ثم اخرج اخرج كتاب اجاثا كريستي ليكمل اجزاءه ..

اقراء الموضوع في الموقع الاصلي

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=537789

التعليقات (0)

كن أول من يعلق على هذا الموضوع.

بإمكانك الدخول بواسطة أسم المستخدم أو بريدك الألكتروني

- أو -