أرض السراب

مقالات لكتابها منذ 1 سنة و 1 شهور 187
أرض السراب

هبة الله الذهبي

سفينة نوح تمضي حيث لا منشأ لها ولا قرار ..

كُتب لأرض السراب عالماً حقيقياً يندثر خلف أحلامنا , وتعلو جبهاتنا خيبات الأمل .

عندما صعدنا أولَ مرّةٍ إلى سفينة نوح كانت الأحلام والآمال ترتقي للوصول نحو أرض السراب و وضع بذور القمح فيها , لم يتخيل من ركبَ السفينة وقتها أن أحلامه هذه ستكون يوماً في حلقةٍ مفرغة تدور وتعود لنفس البداية .

والآن أين سفينة نوح , ومن سيبنيها , ومن سيكون عليها ؟
هل هي السفن الفضائية التي تُبنى , أم أنها اندثرت كما اندثرت أرض الأحلام ؟

لم يكن الحاضر بأفضل من الماضي سوى بأن الإعلام أصبح أقوى وأنفذ بفضل القنوات الفضائية والإنترنت والتلفزة , فما الفرق بأن يحدث طوفان آخر ينتزع الخراب النسبي الموجود , أم أن ندامة ما وقعت في الطوفان الأول , ولن يتكرر طوفان آخر ولا سفينة أخرى .

الإنسان هو الإنسان أينما كان وأينما وجد بكل حذافيره , يؤلمني أن أرض السراب واقعٌ يجتاح شريحة كبيرة في مجتمعنا من مختلف الأعمار , وكأننا نعيش وهماً وننام وهماً ونأكل وهماً ونموت وهماً , ما الجدوى إن لم يكن لدى كلِّ واحدٍ منا بصمة تنقله لأرض الواقع ؟

لانزال في حالة التبعية المطلقة في كل الأحوال , الاقتصادية والدينية والسياسية والاجتماعية , صحيح أن مجتمعنا لا ينشأ إلا من هذه الظواهر ولكنها في الحقيقة تودي بنا إلى مجهول و كل منا مقتنع أنه أدى دوره على أتم وجه , ورسالته التي خلق لها حتى ولو كانت مساعدة أعمى في الطريق , فعندما ينضج الفكر ويخرج من ترهات مكتوبة وأحياناً ملعونة ليرى أن الإنسان لاتتوقف حياته على أرض السراب وسفينة نوح , وإنما ولدَ لخيرٍ أعظم , بقوةٍ عظمى ليفجر طاقاته في الكون العظيم , لا لينتظر مصيبة من يكره ليقول عنها أنها عقاب , ولمن يحب أنها رفع درجات , وازدهار من يكره أنه انتقام . وازدهار من يحب محبة وعطاء , عندها نكون قد بدأنا في وضع أول دعائم البشرية .

فمن وضعكَ أيها الإنسان لتكون القاضي في شؤون غيرك , فلو ارتقينا طرفةَ عين لوجدنا أن الكون مفتوح لنا كلنا دون استثناء للخير والشر , لعرفنا كيف نخرج من هذه الفتن المتجسدة فينا كلياً برغباتنا في السباق إلى أرض السراب , أرض الوهم في القبور تحت الحجار.

مصيرنا يتوقعه الباقون على وجه الأرض في المستقبل , وربما أجيال وأجيال تمتلك العلم والمفهوم الحقيقي للإنسانية والبشرية , فتأخذ بيد هذه الأمور لتجمعها بلا منازع , وتكون أرض السراب حقيقة مجسدة بالخير خالية من عبئ معطيات الماضي الذي لا نزال ندفع للآن الكثير من تراكماته .

ويُخيل إلينا أننا حققنا ذاتنا وما نحن إلا ذرات متراكمة في الكون تتحد لتنشئ بعضها بعضاً , فإما أن تكون واعية أو مستمرة في عذاب البشرية , ورب ذرةٍ طافية تمتلك من الحب والوعي ما يمتلكه الملايين , فهل حقاً نحتاج إلى مخلّصين , أم أن المخلّص فينا , وحدنا من نخلّص هذه الذات , أحياناً تنفجر الأفكار في أرض السراب وتنمو وتتطور وتتجسد , وما لم نكن في يقظة ٍ حقيقية فلن تكون لهذه الأفكار سوى الضياع , كضياع ذرات الكون في شغف اللقاء أم تراها تلتقي في أرض السراب , أو لا تلتقي فتستحيل إلى ذكرياتٍ تموت في عماءها , فأرض السراب ومضةُ تدور بمخيلة كلِّ محبٍ للخيال والحقائق , ولابدَّ أن كلَّ واحدٍ فينا في خلوةٍ ما وقع فيها , فاستقام أو سَرح .

التعليقات (0)

كن أول من يعلق على هذا الموضوع.

بإمكانك الدخول بواسطة أسم المستخدم أو بريدك الألكتروني

- أو -

ذات علاقة

أرض السراب

مقالات لكتابها