ابتسام تريسي تكتب: وغادر "داريا" أبناؤها!

مقالات لكتابها منذ 1 سنة و 1 شهور 59
ابتسام تريسي تكتب: وغادر

 

غادر داريا أبناؤها، نعم. فلأول مرة منذ أربعة آلاف عام أو يزيد يصبح عدد سكان داريّا صفراً. لا أحد من أهلها بقي فيها وذلك ضمن حملة تهجير قسري قامت بها عصابات الأسد مدعومة من الأسرة الدولية.
منظر الباصات المغادرة من داريّا حاملة من تبقى من سكّانها إلى إدلب أبكى السوريين الأحرار جميعاً، في ذلك اليوم الذي خرج منها المقاتلون السبعمائة الذين صمدوا أكثر من أربع سنوات في وجه ميليشيات الأسد ومن يدعمه صموداً أسطورياً، مات غياث مطر!
غياث مطر صاحب فكرة الورد والماء الذي كان شعاراً لمظاهرات داريّا السلمية في بداية الثورة حيث كان المتظاهرون يوزعونه على الجنود الذين أطلقوا الرصاص على المتظاهرين العزل.. غياث الذي اعتقله النظام ثم قتله تحت التعذيب خلال ثلاثة أيام، وأعادت المخابرات جثته إلى أهله وقالوا لهم: "اصنعوا منه شاورما" ويومها قاطع السوريون الأحرار أكل الشاورما.. 
اليوم بقي غياث وباقي شهداء داريا يحرسون الأرض التي لا تنسى أبناءها. وبكل تأكيد ستعمل رفاة الشهداء على خلق حبل سرة يربطهم بمن غادر ويشدهم إليها من جديد.
ما الذي منح ثوار داريا هذه المنزلة في قلوب السوريين؟ وما الدروس التي يمكن للثورة الاستفادة منها؟
لقد شكل أبناء داريا حالة ثورية سورية محضة إذ بدؤوا مظاهراتهم بطريقة تعكس حساً حضارياً، سلمياً ومدنياً مثلهم في ذلك مثل جميع المناطق التي انتفضت فيها الثورة، الفارق كان في اللحظة التي اضطر فيها الشعب الثائر على حمل السلاح، وحدهم أبناء داريا رفضوا أي شخص غير سوري أن يدخل في صفوفهم وقاطعوا القاعدة ومن يمثلها، ووحدهم أبناء داريا من انتخب المجلس العسكري في الوقت الذي كانت فيه الفصائل العسكرية في بقية المناطق تفرض المجالس التي تريد.
ولأن ثوار داريا يفتقرون إلى الأسلحة الثقيلة من دبابات ومدافع فقد كان لزاماً عليهم إعمال العقل والتخطيط السليم في معاركهم وقد نجحوا في الكثير منها ولم يستسلموا بخطط دفاعية للحصار الخانق الذي فرضته ميليشيات الأسد عليهم إنما استطاعوا قبل سنة أن يكسروا هذا الحصار ويفتحوا طريقاً إلى المعضمية أخرجوا من خلاله بعض الجرحى وأدخلوا بعض المؤن قبل أن تعاود ميليشيات الأسد إطباق الحصار.
هذه الاستقلالية في القرار حدت كثيراً من الدعم العسكري لمقاتلي داريا خاصة وأن الدعم العسكري له اشتراطاته وله نتائجه المخزية كما رأينا ذلك واضحا في الجبهة الحورانية التي خذلت ثوار داريا. ما يزيد على الأربع سنوات وثوار داريا يقاتلون بأسلحة خفيفة ومتوسطة، تساقط فوق رؤوسهم ما يزيد عن المليون برميل متفجر ما جعل أحياء بأكملها تصبح مجرد ركام ومع حرق آخر مشفى ميداني في داريا بقنابل النابالم ونفاذ العبوات المتفجرة التي كانوا يصطادون بها دبابات عصابات الحكم كان لابد من الإسراع في الخروج.
أما كيف استطاع أهل داريا مقاومة الحصار طيلة هذه السنوات؟ فهذا ما يمكن أن يصبح نموذجاً في الاعتماد على الذات بدءاً بتناول حشائش الأرض وليس نهاية باستخراج الطاقة من البلاستيك، مروراً باستغلال كل شبر من الأرض حتى بطريقة دفن شهدائهم، فلو خصصوا لكل شهيد قبره الخاص لما بقي الكثير من أراضي داريا للزراعة، لقد ابتكروا طريقة الدفن الطابقي.
يبقى السؤال الأهم. لماذا تصر عصابات الأسد عند كل تهجير على إرسال المهجرين إلى إدلب؟
يحاول الأسد أن يفرض تغييراً ديموغرافياً على المناطق التي ثارت ضده في خطة واضحة لتقسيم سوريا، فقد سبق أن نفى أهل حمص المحاصرة إلى إدلب.. وسكّان الزبداني إلى إدلب، والآن ما تبقى من سكّان داريا نقلوا إلى إدلب.. 
فهل ستكون إدلب المنفى لكلّ الأحرار في سوريا؟ 
أم ستكون الفخ الأخير للثورة؟ وذلك بإطلاق صفة الإرهاب على كلّ الثوار في محافظة إدلب خصوصاً إن تم الاندماج بين جيش فتح الشام (النصرة سابقاً) وأحرار الشام.
وهل سيسعى جيش الإسلام وأحرار الشام إلى مصالحة مع الأسد ليكون لهم دور في الحكومة القادمة المقترحة من قبل الدول التي تدير الحرب على الأرض السورية؟
سيبقى ثوار داريا النموذج الذي يقاتل النظام تحت مسمى "الجيش الحر" السليم من أي شبهة أجنبية أو مقاتلين أغراب. ومجرد هذه التسمية "مرعبة" للنظام السوري، الذي حاول إدارة الثورة السورية في بداياتها بدفعها إلى التسليح، ثمّ خلق توجهاً إسلامياً للفصائل المسلحة، وأوجد منظمات إرهابية مرتبطة بتنظيم القاعدة لا يرضى الغرب وأمريكا عنها، ليقوم هو بمحاربتها وتصدير نفسه على أنّه يحارب الإرهاب وأنّه الوحيد الذي سيعيد التوازن إلى المنطقة وهو الوحيد –فعلاً- الحامي للحدود الإسرائيلية خلال ستة وأربعين عاماً من حكم الأب والابن. 
تجربة داريّا المميزة في الثورة السورية برفضها أولاً وجود مقاتلين أجانب بين صفوفها، ورفضها لفكرة التعاون مع تنظيم القاعدة، وعدم السماح لذلك التنظيم بالعمل في مناطق وجود الجيش الحر (مع العلم أن طابع الفصيلين المقاتلين في داريا طابع إسلامي) مع ذلك حافظ على رفع علم الثورة، وقاتل تحت الراية السورية.
المستفيد الوحيد من تجربة داريّا المميزة في اعتقادي هو الشمال السوري المحرر حيث نفى الأسد مقاتليها.. (الذين يشكّلون روح الثورة) فإن استطاع هؤلاء تطبيق تجربتهم الفريدة في الشمال فذلك سيعود على الثورة السورية بفائدة عظيمة لو أدركها النظام لأباد سكّان داريّا في مدينتهم _كما حرّضه المؤيدون له_ وما سمح لهم ليحملوا داريا معهم إلى إدلب.

________________

*روائية سورية 

التعليقات (0)

كن أول من يعلق على هذا الموضوع.

بإمكانك الدخول بواسطة أسم المستخدم أو بريدك الألكتروني

- أو -